قراءة أكاديمية موضوعية
التوقيت الميسر: بين الحق في التكوين مدى الحياة وجودة التعليم العالي
أثار اعتماد رسوم للتكوين الأساسي وفق صيغة التوقيت الميسر لفائدة موظفي وأجراء ومستخدمي القطاعين العام والخاص، بموجب القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، نقاشًا واسعًا، ذهب فيه البعض إلى اعتبار هذه الرسوم تراجعًا عن مبدأ مجانية التعليم العالي العمومي. غير أن هذا النقاش، في كثير من الأحيان، اختزل الموضوع في مسألة الأداء، متجاهلًا الفلسفة التي جاء بها الإصلاح والأهداف التي يسعى إلى تحقيقها.
وأول ما ينبغي التأكيد عليه هو أن مجانية التعليم العالي لم تُمس. فالطالب الذي يتابع تكوينه الأساسي وفق التوقيت العادي ما يزال يستفيد من المجانية كما كان الحال دائمًا. أما التوقيت الميسر، فهو ليس بديلًا عن هذا النظام، وإنما مسار مستقل موجه لفئة مختلفة لها وضعية مهنية مختلفة.
فهؤلاء، في أغلب الحالات، سبق لهم الحصول على شهادة جامعية، ثم ولجوا سوق الشغل، وبعد سنوات من الممارسة المهنية اختاروا العودة إلى الجامعة لاستكمال تكوينهم، وهو حق مشروع يجسد مبدأ التكوين مدى الحياة الذي أصبح أحد المرتكزات الأساسية لأنظمة التعليم العالي الحديثة.
غير أن ممارسة هذا الحق تقتضي تنظيمًا خاصًا. فمن غير الممكن، لا عمليًا ولا مؤسساتيًا، أن يكون الموظف أو الأجير حاضرًا في مقر عمله وفي قاعة الدرس في الوقت نفسه. فالإدارة العمومية تحتاج إلى انتظام موظفيها، والمقاولات الخاصة لا تستطيع تحمل غياب أجرائها بصورة متكررة، والجامعة بدورها لا يمكن أن تبني تكوينًا جادًا على الحضور المتقطع.
ومن هنا جاءت فلسفة التوقيت الميسر، التي تقوم على مبدأ بسيط وواضح: العمل في وقته، والدراسة في وقتها.
ويحقق هذا النظام أيضًا قدرًا من العدالة بين مختلف فئات الطلبة. فالجامعات العمومية تعرف ضغطًا متزايدًا على طاقتها الاستيعابية، ولو أتيح للمهنيين متابعة الدراسة ضمن المقاعد نفسها المخصصة للطلبة المتفرغين، لأدى ذلك إلى تقليص فرص الخريجين الجدد، وهم الأحق باستكمال تكوينهم والاندماج في سوق الشغل.
كما أن المهنيين راكموا، عبر سنوات العمل، خبرات وكفاءات عملية لا يملكها بطبيعة الحال حديثو التخرج، لأن مصدرها التجربة المهنية وليس التكوين الأكاديمي وحده. ولذلك، فإن تخصيص مسار مستقل لهم لا يهدف إلى تفضيل فئة على أخرى، بل إلى تمكين كل فئة من مسار يناسب وضعيتها ويحقق العدالة وتكافؤ الفرص.
ومن المغالطات التي رافقت هذا النقاش الادعاء بأن الدولة فرضت الأداء لأول مرة. والواقع أن الموظفين والأجراء كانوا، منذ سنوات، يؤدون رسومًا في إطار التكوين المستمر، وكانت هذه الرسوم في كثير من الحالات تفوق بأكثر من الضعف الرسوم المقررة اليوم في إطار التوقيت الميسر.
غير أن الفارق الجوهري يكمن في طبيعة الشهادة. فالتكوين المستمر كان يمنح شهادات صادرة عن الجامعات، لكنها لا تتمتع بصفة الشهادة الوطنية، وهو ما كان يثير، في عدد من الحالات، إشكالات عند متابعة الدراسة أو المشاركة في المباريات أو ترتيب بعض الآثار المهنية.
أما اليوم، فقد جاء القانون رقم 59.24 ليؤطر التكوين الأساسي وفق التوقيت الميسر، بما يسمح للمهنيين، عند استيفاء جميع الشروط الأكاديمية، بالحصول على شهادة وطنية لها القيمة القانونية والأكاديمية نفسها التي تتمتع بها الشهادات الممنوحة في إطار التوقيت العادي.
ومن ثم، فإن الرسوم ليست ثمنًا للدبلوم، وإنما مساهمة في تغطية الكلفة الإضافية لتنظيم هذا النمط من التكوين، الذي يتطلب تعبئة الأساتذة والأطر الإدارية والتقنية، وفتح المؤسسات الجامعية خارج أوقات العمل، وضمان التأطير والتقييم وفق المعايير نفسها المعتمدة في التكوين الأساسي.
كما أن هذه الرسوم تبقى معقولة إذا ما قورنت بما كان يؤدى في برامج التكوين المستمر، والتي كانت في كثير من الأحيان أعلى بكثير، رغم أنها كانت تنتهي بشهادات لا تتمتع بصفة الشهادات الوطنية.
أما فيما يتعلق بما يتم تداوله بشأن رسوم الدكتوراه، وخاصة الحديث عن مبلغ 80 ألف درهم، فهو معطى غير دقيق. فالمقتضيات المنظمة للتوقيت الميسر تحدد الرسوم في 20 ألف درهم عن كل سنة، خلال المدة القانونية للتكوين المحددة في ثلاث سنوات، أي ما مجموعه 60 ألف درهم. أما السنوات الإضافية التي قد تمنح استثنائيًا لاستكمال البحث، فإنها تخضع لضوابط أكاديمية وتنظيمية خاصة، ولا يجوز تقديمها باعتبارها القاعدة العامة أو اعتمادها لترويج أرقام غير صحيحة.
ويبقى نجاح هذا الإصلاح رهينًا بحسن تنزيله، على أساس أن التيسير يتعلق بتنظيم الزمن الجامعي، وليس بتخفيف متطلبات التكوين أو المساس بقيمة الشهادة الوطنية. فالحضور، والتأطير، والتقييم، والبحث العلمي، ومعايير النجاح، يجب أن تبقى موحدة وصارمة بالنسبة لجميع الطلبة، حفاظًا على جودة التعليم العالي ومصداقية الجامعة العمومية.
وفي الأخير، لا بد من التأكيد على أن منظومة التعليم العالي والبحث العلمي ينبغي أن تظل بمنأى عن التجاذبات السياسية والحسابات الظرفية. فمن المؤسف أن يتحول كل إصلاح جامعي إلى مجال للمزايدات والاتهامات المتبادلة، في حين أن الرهان الحقيقي هو الارتقاء بجودة التعليم العالي والبحث العلمي وخدمة المصلحة العليا للوطن.
إن إصلاح التعليم العالي لا ينبغي أن يُقرأ بمنطق الربح والخسارة السياسية، بل بمنطق المصلحة العامة، لأن الجامعة ليست ساحة للصراع السياسي، وإنما فضاء لإنتاج المعرفة، وتطوير البحث العلمي، وتكوين الكفاءات الوطنية القادرة على مواجهة تحديات المستقبل.
فالطلبة الذين يتابعون تكوينهم اليوم هم أطر الغد، وقادته، وخبراؤه، وباحثوه، وصناع قراره في مختلف القطاعات. وهم الذين سيحملون مشعل التنمية، ويقودون مؤسسات الدولة والإدارة والمقاولة، ويواجهون تحديات المستقبل. ولذلك، فإن الاستثمار في تكوينهم ليس استثمارًا في أفراد فحسب، بل هو استثمار في مستقبل الوطن، وفي رأسماله البشري، الذي يظل الثروة الحقيقية لأي أمة.
ومن هذا المنطلق، فإن الواجب يقتضي أن يُترك إصلاح التعليم العالي لأهله، وأن تُمنح المؤسسات الجامعية والأطر البيداغوجية والإدارية الثقة اللازمة للقيام برسالتها النبيلة، بعيدًا عن التضليل والمغالطات والمزايدات التي لا تخدم الجامعة ولا الإصلاح، وإنما تربك الرأي العام وتسيء إلى صورة التعليم العالي.
فالجامعة المغربية تستحق نقاشًا مسؤولًا، يستند إلى الوقائع والمعطيات الموضوعية، ويحتكم إلى المصلحة العامة، بعيدًا عن الأحكام المتسرعة والحسابات الضيقة. وإذا كان الاختلاف حول الإصلاح أمرًا مشروعًا، فإن الغاية ينبغي أن تظل واحدة: الارتقاء بالجامعة المغربية، وصيانة جودة الشهادة الوطنية، وتمكين جميع فئات المجتمع من حقها في تعليم عالٍ ذي جودة، يواكب التحولات ويخدم التنمية الشاملة للوطن.
Source : https://akadinews.com/?p=36286




