حفيظ البقالي
لم تكن المدينة القديمة للدار البيضاء مجرد أزقة متشابكة أو بنايات عتيقة أكل عليها الزمن، بل كانت ولا تزال ذاكرة حية تختزن تاريخ البيضاويين، وتحمل بين جدرانها روح العاصمة الاقتصادية للمملكة. هناك وُلدت الحكايات، وتشكلت ملامح التعايش والتجارة والحرف التقليدية، ومنها انطلقت أجيال صنعت تاريخ المدينة الحديثة.
لكن ما الذي يحدث اليوم داخل هذا الفضاء التاريخي؟
ولماذا تحولت أحلام التأهيل والترميم إلى موجة من الخوف والقلق وسط الساكنة والتجار؟
لقد أعطى صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله انطلاقة مشروع تأهيل المدينة القديمة برؤية واضحة تقوم على حماية هذا الإرث التاريخي والإنساني، مع تحسين ظروف عيش الساكنة، والحفاظ على النسيج العمراني، وتبسيط مساطر الإصلاح والتقوية، وخلق فضاءات ومشاريع تستوعب طاقات الشباب وتعيد للمدينة القديمة إشعاعها الاقتصادي والسياحي والثقافي، أسوة بما تحقق في عدد من المدن العتيقة المغربية التي تحولت إلى نماذج ناجحة في الترميم والتثمين.
غير أن الواقع الذي تعيشه المدينة القديمة اليوم يطرح أكثر من علامة استفهام.
فبدل أن يسود منطق الترميم والتأهيل، تفاجأ المواطنون بتوالي عشرات قرارات الهدم، في مشهد خلق حالة من الهلع والخوف وعدم اليقين. ساكنة المدينة القديمة أصبحت تعيش تحت ضغط يومي، والتجار باتوا يتخوفون من مستقبل مجهول يهدد أرزاقهم واستقرارهم الاجتماعي.
الأخطر من ذلك هو حالة الغموض التي تحيط بتصميم تهيئة المدينة القديمة، في ظل استمرار التكتم على تفاصيله من طرف الوكالة الحضرية، الأمر الذي فتح الباب أمام الإشاعات والتأويلات، وأفقد الساكنة الثقة في مسار المشروع برمته. فكيف يعقل أن يتعلق الأمر بمصير منطقة تاريخية بهذا الحجم دون إشراك فعلي للساكنة والمهنيين والفاعلين المدنيين؟
ثم أين هو دور مجلس جماعة الدار البيضاء؟
ولماذا هذا الصمت تجاه التأخير الحاصل في عرض تصميم التهيئة قصد دراسته وإبداء الملاحظات بشأنه؟
أليس من حق الساكنة أن تعرف ماذا يُحضَّر لمستقبل مدينتها القديمة؟
وأليس من واجب المؤسسات المنتخبة أن تدافع عن البعد التاريخي والاجتماعي لهذا الفضاء بدل ترك المواطنين في دائرة القلق والانتظار؟
إن المدينة القديمة ليست مجرد عقارات أو بقع أرضية قابلة لإعادة الاستثمار، بل هي جزء من الذاكرة الجماعية للدار البيضاء، والتعامل معها يجب أن يتم بمنطق الحفاظ على الهوية والتاريخ والإنسان، لا بمنطق الأرقام والإسمنت فقط.
اليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج هذا الملف إلى الوضوح والشفافية والحوار الحقيقي مع الساكنة، لأن تأهيل المدينة القديمة لا
Source : https://akadinews.com/?p=35767




